الرئيسية / مقالات / الأعرابي كمفردة في منظومة سايس- بيكو ماضيا وحاضرا

الأعرابي كمفردة في منظومة سايس- بيكو ماضيا وحاضرا

  • البانوسى بن عثمان

عندما تمكن اعرابىالجزيرة من الوصول مع الاسلام الى ابواب بلاد فارس وسواد ما بين النهرين , وشرع في التفاعل والتثاقف مع تلك الشعوب , بقبضة خشنة حيننا ويد ناعمة احياننا اخرى . جاءت ونتجه لتلك المثاقفة والتفاعل . صِيغ جديدة للاسلام امتزجت بخشونة الاعراب وتحضر وتمدّين بلاد فارس وسواد ما بين النهرين . وانتهى الى الوجه الشيعى الذى نُعاصره . والذى اضاف ماضيا حاضر . لمزارات ومحجّات الاسلام بمكة والمدينة , محجّات ومزارات جديد , في عتبات النجف وبغداد بالعراق .وحوزات مرجعيات قم في ايران . اغنت هذه البيئة واثرة رسالة الاسلام , بما تمخض عنها من رموز في مجالات الفكر والعلم والادب . اضافت بهم خطوة هامة لمسيرة الحضارة والحياة . فصار الاسلام وتمكن بهذه المُراكمة العلمية المعرفية , من مزاحمة رواد حضارة العصر الحديث على بوابة النادي الذرى . الذى لا يحظى بشرف الوصول اليها , الا من كان له كعب عالي في فضاءات الفكر و العلم والمعرفة . متوسلا في ذلك ومُجتهدا في استثارة واستفزاز قدّحة عقله وفكره .

     في حين نجد الوجه الاخر . الذى انساح وتمدد غربا , على رواحل وسروج اعراب الجزيرة واكتاف راجِليهم , لم يستطع هؤلاء تجاوز اعرابيتهم , ولم يستطع تثاقفهم وتفاعلهممع ارث تلك الشعوب من ترّويضاعرابيتهم وتهذيبها . واحتفظ ذلك الاعرابىبتيمته في وجهها القبَلِي , ذات الكيان الاجتماعىالمُغلق , رغم عبوره ومروره بفضاءات ثقافية متنوعة , اثناء مراحل تقدمه شرقا . الذى انتهى به عند ضفاف الاطلسى المغاربية وحتى الاطراف الشمالية لشبه الجزيرة الابيرية .

ثم ما لبت , ان ارتد على عقبيه الى حيث كان . ليقبع متقوقع في داخل صدفة اعرابيته , مُسّتلهمها ومستدرجها في مفاهيمها وادواتها ومفرداتها . والتى منها وقوفه على الاطلال , مُسّتذكر ماضيه مع سلمى وليلى وعزّة . بصِيغ تمكن من تطّوِيعها الى ومع ما يلّهج به لسانه بعديد العاميات واللهجات المحلّية . فمثلا . نجده ومن فوق الرقعة الجغرافية الليبية , وعند مروره بأطلال ديار ومرابع حبيبته , ينشد مستذكراواصفا قائلا وبالعامية الليبية . *(خَلا واتْقجّول فيه ارْياح + + قَعدْ مطّراح ++ اوْهامْ ام إعْيون اسماح) . مما يجعل انشاده وقوله هذا , يسّتحث ذاكرة المستمع المتلقي , نحو استدعاء واسترجاع من الماضى البعيد , قول ذلك الشاعر العباسى . وهو يسخر مُستهزئا من الاعرابى قائلا (قل لمن يبكى على رسّمدرس ++ واقفا ما ضر لو كان جلس) (ترك الربع وسلمى جانبا ++واصطبح كرخيّة مثل القبس) .

 وبالرجوع الى النص المقدّس لرسالة الاسلام . والذى يقول في العديد من مواضعه , بان هذا الاعرابى لم يستطيع ان يتحرر ويغادر (اعّرابيته) الى مرحلة التحضّر والتمدّين , بل ضل قابع فيها مُعاند عاجز منافقا . ومن هنا – وفى تقديرى– استطيع القول . بان عرّاب (سايس – بيكو) . قد انتبه الى هذا الاقرار . وقد تمكنبه ومن خلاله . منوضع يده على مفتاح شخصية هذا الاعرابى , وبه استطاع اللوج والتسلل اليه, في مكنونات خريطته الاجتماعية النفسية الثقافية  .

ومنخلال هذا الولوج الى خريطة الاجتماعية الثقافية .تمكّن عرّاب سايس – بيكو , فى زمن ما بين الحربين , كما يقول التاريخ في احداثه , من اعتلاء اكتاف ذاك الاعرابى , وسخر راحلة بعيره وسرج فرسه ودراعه وسيفه . ووظّفها جميعها في إنفاد مشروعه  . ليصبح ذلك المشروع , واقع ملموس في فسيفساء جغرافية , تغطى كل رقعة شرق المتوسط وجنوبه . واجتهد وعمل على حضور ثقافة الاعرابى, وعلى نحو دائم ,كمُفعّل فاعل لتغديه الحياة في جميع وجوهها , على ارجاء جغرافية سايس- بيكو , من خلال تنّصيبهذا الاعرابىحارسا وقيّما امين على هذا المنجم الطبيعى و الخزان البشرىالهائل . بعدما جعلهما العرّاب حكْر على نفسه , وفى خدمة بلاده .

قد نستطيع قبول هذا القول . عندما نعرف بان هذا العرّاب العتيد . قد قام بترّحيل كل ما وقعت عليه يده . من مخّطوطات ومراجع ووثائق وكتب من الفضاء الجغرافى لسايس – بيكو , التى تتناول هذا الاعرابى في احواله الاجتماعية والروحية والتاريخية والفكرية الخ . واحتفظ بها في عاصمة بلاده. بل وعمقها بحثا وتنقيب ميدانيا , عبر تجّول رحّلاته في هذا الفضاء الجغرافى . ومن هنا كانت وصارت بلاده,محجّا ومزارا , لكل دارس وباحث ومنقّب في شئون الاعرابواحوالهم .

   فقد شاهدت فىلقاء متلّفز مع منتصف تسعينات القرن الفائت على وجه التقريب .  احد القنوات وهى تستضيف*الدكتور النفيسىكما سمّى نفسه – اعتقد بانه كان كويتى- تحدث في ذاك اللقاء في امور عدّة . قال من بينما قال . بان التحضير والاعداد لنّيله درجة الدكتوراه , قد كلّفه عناء مشقة الحج الى لندن , والاعتكاف في ذاك المحج لمدة ثلاث سنين من الزمان  , بالقرب من مكتبة وزارة الخارجية لذلك البلد . والتى تضم كل المراجع العلمية , التىيحتاجها وتتناول مبّحثه في تخصصه الدقيق , والذى كان وكما قال , في احد جوانب فرع من فروع المذهب الشيعى , وهنا وبهذا نعرف بان تلك المدينة, قد صارت محجْللأعرابودارسي شئون الاعراب . وللملاحظة .  بان بلد الدكتورلاتبعد سوى مرمى حجر عن عتبات الشيعة بالعراق , وعن حوزات قم في ايران ايضا ! .

كنت احاول الوصول بالقول . بان هذا الانبعاثالذى يعصف دما ودمار وخرابا , بالفضاء الجغرافىلمنظومة سايس – بيكو . والذىتصادفإيقاظهواستيقاظه , مع وجودكل هذا الكم الهائل من ادوات الدمار والخراب , قريبة وفي متناول يده , بِدأ من السكين كاداه للذبحوحتى الطيران الموجّه عن بُعد . وليس انتهاءبراياته وشعاراته واناشيده ذات النبرة المهدد بالخوف والموت . كل هذا وفى مجّمله كان يرتكز ويتّجه ويستشّرف, خطوة فىزمنذاك الاعرابى, قد ثم وأده في مهدها , يسعى ويجتهد وفى زمننا هذا , نحو إحيائها في المسجد الضِرار. ليجعل منه مزار ومحجا وقِبّله يَسّتقبلها بوجه اعّرابيته اينما حل . في محاولة منه لبعث ما ثم هدمه وتحّريقه بالنار في كنف وبيد تلك البدايات البعيدة .

     ولكن الاستفهام الضاغط والمستند على كل ما جاء في السطور السابقة . يقول :- هل ثقافة هذاالاعرابى, تستطيع انتاجكل هذه القدرة التنظيمية . التى تُدير كل هذا الدمار , الذى يضرب بالفضاء الجغرافى لشرق المتوسط وجنوبه ؟ ! . أم ان ذلك يحتاج عقل استثنائيمُركّب  ليس وقطعا بحوّزةالاعرابى , ليولّد ويبلّور به هذهالقدرة التنظيمية في آلية . لها كل هذه الدقة  في الاعداد والتجهيز والتخطيط والادارة , وخلق البدائل لتخطى الطارئالمفاجئوايضا . وهل ثقافة هذا الاعرابى , التى تنهض على المشاعر والعواطف , تتوافق مع هذا العقل البارد ؟ . الذى يتولى ويُدير هذا , الذى يعصف دما ودمار وخراب.بالفضاء جغرافية سايس – بيكو .

ام انه تمت من له القدرة للقيام بكل هذا . ابتدأمن استدعاء ذاك الحدث , من زمن تلك البدايات البعيدةفىالماضىالبعيد , وله القدرة على نفخ الحياة في جنباته , عبر تأطيره في كادر باتساع جغرافية سايس – بيكو , يظهرفيه بقبضه باطشه , يجّتهد في عرضها عبر (الميديا) وهى تقطر بالدم . وبيده الاخرى كانت تنهض راياته وشعاراته . وفى الان نفسه . كان لسانه يلّهج بأناشيد متوعّدة شرا ومنّدرة خوفا . وله وفوق كل هذا , القدرة على إلباس وجلّببت هذا الأعرابيالبسيط وجغرافيته , التى تغطى شرق المتوسط وجنوبه . بكل جلابيب هذا الرعب المدمر المُخيف  . ليجعل هذا القدير القادر من كل هذا . اداته الجديدة , التى سيعّتلى بها اكثاف الاعرابى ثانيتا , ولكن في هذه المرة , ستكتسى خُطّوته العتيدة, بصبّغة مقدّسه لها محجّاتها  ومزاراتها وقبّلتها ايضا .

   واذن وبعد كل ما فات . هل نستطيع القول . بان هذا التأزم الذى يضرب بجنبات فضاء شرق المتوسط وجنوبه  , يرجع الى هذا الاعرابىالكامن في ثقافتها ؟ .وان هذا التخلف الذى اتخذ منها حاضنة له , على امتداد قرن من الزمانمن عمر منظومة سايس- بيكو , يرجع الى عجز هذا الاعرابى عن تجاوز ذاته بالانفتاح على الاخر ؟ . ولكن . هل الوصول لتخطى كل هذا ؟ . يثم عبر اقناعه لإناخة بعيره , بلوعلى مساعدته لعقر ناقته كى لا تقوم ثانيتا , وتشجيعه على الترّجل من على راحلته , واستدراجه للتخلي عن ترحاله الدائمفي صحراء تيه لا نهاية له . والاتجاه به برفقة العلم بسلطانه وادواته ووسائله , نحو الاستقرار والاستيطان , وحثه على الاستثمار بعقله وجهده في التراب الذى بين قدميه , في الوعاء الجغرافى لوطنه . وليس في غير وعاء وطنه . ولكن هل هذه الانتفاضات التىعصفت وتعصف بفسيفساء شرق المتوسط وجنوبه , مند قرابة عقد من الزمان , تحمل في طياتها كل ما قد يدفع بخلق الظروف والبيئة المناسبتين . التى تساعد على تفكيك هذا الاعرابى في ثقافته . والتى قد تدفع  في اتجاهخروج هذه الجغرافية من متاهات التأزم والتخلف ؟ . ام انها تحمل في طياتها ايضا , كل الادوات والوسائل التى تُحفّز وتساعد منظومة سايس – بيكو العميقة , على اقامة قبّلتها ومزارها ومحجّها في (المسجد الضرار) , والذى به تُعيد انتاج نفسها من جديد , ولكن هذه المرة بصيغة مُقدسة ؟ ؟ .

*هذه الابيات من الشعر الشعبى . تُقرأبالعامية الليبية بلهجة اهل الجنوب والوسط الليبيى.

**الدكتور النفيسي . كان على المذهب السنّى , وتقول بعض الكتابات , بانه كان قريب من التيار الردكالي . الذى تمكن فصيل من اتباعهذا التيار , من احتلال الحرم المكياواخر عام 1979م .

عن ss2021

شاهد أيضاً

ثقب أخر الذاكرة

شعر / محمد الكشكري ما عدت أحتمل الضجيج بداخليو الأنة الحمقاء تغتال السكينة حاسرةأنا لست ...

صافرة ليبية في بطولة أفريقيا للكرة الشاطئية

يُشارك الحكم الدولي في كرة القدم الشاطئية، يحيى الوحيشي، في بطولة كأس أمم أفريقيا، التي ...

للتفاعل مع الموضوع قم بكتابة تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: