الرئيسية / ثقافة وفنون / قراءة في قصّة ( العقارب تلدغ الأموات)

قراءة في قصّة ( العقارب تلدغ الأموات)

  • محمد موسى العويسات ـــ فلسطين/ القدس

“العقارب تلدغ الأموات” عنوان قصّة قصيرة للكاتبة هدى حجاجي أحمد من مصر، العنوان يحمل دلالة مثيرة لافتة تدعوك لتتبيّن المثال الذي سيكون قصّته، إذ له عموم في كنايته، فقد يقع تحته أمثلة وأحداث كثيرة، فهناك طرفان عقارب وأموات، العقارب لا تفرّق بين حيّ وميّت، والعقرب في المنظور الشّعبيّ رمز للشّرّ، والاعتداء من قريب، والبقاء في مكان الجريمة، وتضرب مثلا في الغدر والكيد من الأقربين على اختلاف مفهوم القرب وحالاته، والأموات لا يشعرون لا يتألّمون، لن يموتوا مرّة أخرى، لن يزدادوا موتا، ومدلوله في الذّهن يتخطى خروج الرّوح من الجسد، فقد يعيش الإنسان وهو ميّت بلا حياة، فقد يطلق على التّعساء في معاشهم، قد تطلق على أهل الجهل المدقع، قد يطلق على من خوت قلوبهم من الإيمان والدين، وهكذا فالعنوان يتخطّى المعنى الحرفيّ، وجاء التّعريف للعقارب والأموات مقصودا، وكأنّ (ال) هي العهديّة بل يليق بها أن تكون كذلك، أمّا الفعل (تلدغ) فيفيد الحاضر والمستقبل، وهو يفيد التّجدّد، وهكذا يقودنا إلى قصّة تبدأ من الحدث الأخير فيها، أي من لحظة الأزمة، التي هي اجتماع سكّان البناية على شاب استأجر غرفة من صاحبة البناء على السّطح، يبرحونه ضربا، يعاقبونه على فعلة ما، قبل أن تحضر الشّرطة لاعتقاله، فيتمنّى أن تصل الشّرطة لتحميه من شدّة التنكيل به، وفي هذا الموقف تبدأ القصّة باسترجاعه لماضيه القريب كيف وصل المدينة، ومن خلال حديث نفسه، ومن خلال بعض سرد من القاصّة، أو حواره مع زميلات له في الجامعة، تبيّن لنا أنّه شاب لابن تاجر بسيط قدم إلى المدينة، فتفكّكت الأسرة باستغراق أبيه في شهوات المدينة، ضاقت في وجهه الحياة في قريته، أخفق في علاقته بخطيبته بسبب فقره، لا يعرف كيف يخطّط لمستقبله، لكنّه مهتمّ بالأدب، ولا يراه موقوف على اختصاص دراسيّ معين، وجد الحياة في المدينة منفّرة، ازداحامات، غابات من الإسمنت، اختلاط، استهلاك بنهم وشراهة، الغلاء فاحش، وجد النّساء يخرجن للتسوّق، وجدهنّ جميلات فيهنّ إثارة،” ما جعل صاحبنا يمقت هذه اللّزوجة واختلاط الأنفاس، والأجسام التى لا تمنع يد لامس، وأضحى صاحبنا يعاني ويتنفّس الغربة والغرابة والاستغراب، ماله يتنفّس الماضي المعبق برائحة الغبار؟” استأجر الغرفة من المرأة صاحبة البناء، فوجدها راغبة فيه، تحاول أن توقعه في حبائل شهوتها، وفي يوم ما رجع متأخّرا إلى الغرفة فوجدها تنتظره، فوقع في شركها… وتنتهي القصّة بهذا الحدث: “سمعت الرّجل وهو يصل إلى غرفته فوق السّطوح، لا بدّ أنّه سيجد الضّوء الكافي أمام الباب، ويجد قصريّة الزّهور والتّرتيب الجميل فى المدخل. الهدوء النّسبيّ، النّاس منشغلون فى برامج التّلفزيون، ربّما تمطر السّماء فى الصّيف! من يدرى؟ وربما تهبّ موجة غبار! فتحت الباب، سمعت باب المصيدة يرتطم بشدّة وخلفه الفأر المتمرّد، ابتسمت، وقرّرت الصّعود إلى أعلى.” وجاء هذا الغلق في القصّة ليفسّر الحدث الذي بدأت به، فنحن أمام نمط قصصيّ معيّن، لا يتّبع التّسلسل المعتاد، في تطوّر الأحداث وتأزّمها ومن ثمّ التدرّج بأحداث معينة للوصول إلى الحلّ والنّهاية، الذي قد ينتظره القارئ مشدودا إلى الانفراج بشوق، فلم يكن الحلّ مقصودا من القصّة، ماذا فعل الشّابّ؟ ماذا حلّ به؟ أجاءته الشّرطة قبل أن يهلكه النّاس أم لا؟ أسئلة لم تقصد الإجابة عنها، بل استطاعت الكاتبة أن تغيّب مثل هذه الأسئلة عن ذهن القارئ. استخدمت الكاتبة في تفسير السّبب لغة إيماء وإيحاء جميلة بليغة، بعيدة عن المباشرة والتّفاصيل التي قد تغيّب المقصود من القصّة، وهذا جليّ في الأسطر التي اقتبسناها من الختام، (سمعت باب المصيدة يرتطم بشدّة وخلفه الفأر المتمرّد، ابتسمت، وقرّرت الصّعود إلى أعلى)، حتى في ثنايا القصّة جاءت التّورية في قمّة الرّوعة في عبارة: “السّيّدات جميلات شرسات، لهنّ خبرة هائلة فى اللّحوم، يقلّبن البضائع بأصابع مدرّبة!”، وعلى أيّة حال جاءت اللّغة مكثّفة مختزلة التّعبير عن الحدث، ومختزلة في وصف الشّخصيّات، كان الحوار الدّاخلي والخارجيّ والسّرد عناصر متداخلة في سلاسة رائقة، فلا فجوات بينها تستوقفك، وهذه قدرة فنّيّة محسوبة، بل هي تناسق فنّيّ بديع ملحوظ، وربّما يكون بعض الفضل في ذلك لقصر العبارة ووجازتها وبعدها عن الفضول. وبهذه القدرة القصصيّة الفائقة تكون الكاتبة قد عرضت ظاهرة مجتمعيّة خطيرة متكرّرة في أقطار كثيرة. تتمثل في انتقال أبناء الرّيف إلى المدينة، وعيشهم في أجواء غريبة عليهم، ووقوعهم في شباك الأشرار، فالفجوة المدنيّة والحضاريّة والثقافيّة بين بيئاتنا ما زالت قائمة، فالقصّة أنموذج لواقع معيش. وهي نبش اجتماعيّ ضروريّ وملحّ، وأجمل ما في القصّة البعد عن المثاليّة، وترك الباب مفتوحا للمصلحين وأولي الشّأن، فالظّاهرة أكبر من أن تختم قصتها بحلّ أو توجيه أو غير ذلك. وقد ضمنت القصّة وصول دلالة العنوان للقارئ، فربّما يكون العنوان رسم الصّورة المنفّرة التي فيها التّحذير، فالعقارب واللّدغ والأموات، كلّ لفظ له دلالة مخيفة، وصورة انتهاك العقارب لحرمة الأموات صورة بشعة، ففوق أنّهم لا يشعرون، لا يدفعون عن أنفسهم، ولا يتألّمون.

الكاتبة :: هدى الحجاجي

عن ss2021

شاهد أيضاً

ثقب أخر الذاكرة

شعر / محمد الكشكري ما عدت أحتمل الضجيج بداخليو الأنة الحمقاء تغتال السكينة حاسرةأنا لست ...

إعداد القوي العاملة يصعد إلى 1.872.971 خلال العام 2020

أكدت الصفحة الرسمية لوازرة العمل والتاهيل الليبية أن إعداد القوي العاملة يصعد إلى 1.872.971 خلال ...

للتفاعل مع الموضوع قم بكتابة تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: