الرئيسية / نفحات / الخطاب الديني بين لغة السلف .. ولغة العصر !

الخطاب الديني بين لغة السلف .. ولغة العصر !

  • شيتُور فيرُوز/ كاتبة جزائرية

التَّربيةُ بتأنيبِ الضَّميرِ هيَ جلدٌ للذَّاتِ ، و إِرهاقٌ للعقلِ و الفِكر ، و خنقٌ للرُّوحِ الإِبداعيَّة في النَّاشئة ، و الخُطَبُ الدينيَّة ، المبنيَّة على منهجِ التَّخويفِ و التَّرهيب ، هيَ دعوةٌ صارخةٌ ، لنهجِ القَطيع ، دُونَ تدبُّر و تبصُّر ، بنبرةِ العِتاب ، و التَّزمُّتِ ، في انغلاق تامٍّ عنِ الحَداثة ، و لُغةِ العَصر ، و مُخاطَبةِ الشَّبابِ ، مُزامنةً معَ ما يحدثُ في واقعِهِم ، و يُعايشُونهُ ، دُونَ اللُّجُوءِ إلى ما كانَ يُعايشهُ السَّلَف ، فالوقتُ غيرَ وقتهِم ، و الزَّمانُ غيرُ زمانهِم ، و الجيلُ تمامًا غيرَ جيلهِم ، فالواحدُ فيهِم زمانَا ، لا يملكُ من مُتعِ العيشِ إلَّا القليل ، و لا مِن مُغرياتِ الدُّنيا إلا اليَسير ، فلا يملكُ إلَّا أن يستقيمَ ، فليسَ لديهِ من المُغرياتِ و المُلهياتِ ما يُقاومُه ! ، فمصادرُ المعلُوماتِ قليلة ، نراهُ يُقيمُ قيمةً للمعلُومة ، يبحثُ ، يُسافرُ و يَجدُّ لتحصيلِها ، فتترسَّخُ في ذِهنهِ ، و يُجدُّ بذلكَ في تدوينِها ، تصنيفِها ، ليعُودَ بها إلى مُجتمعهِ ليُجِدَّ بعدَ ذلكَ في نشرِها ؛ و المُلهياتُ نادِرة قلَّمَا تعترِضُ طريقهُ ، في وسائلِ الإِعلامِ التي تُجِدُّ هِيَ بِدورِها في اقتناء المُفيدِ ، النَّافعِ و الهادِفِ مِن كُلِّ مُحتوى _حتَّى مِنَ الرُّسُومِ المُتحرِّكَة_ ، التي كانَت تحملُ في طيَّاتِها دُرُوسًا و عِبَر ، في واقعٍ اكتنفه الحياءُ في القولِ و المَلبس .

كُلُّ شيءٍ تغيَّرَ اليَوم ، لكنَّ الخِطابَ الدِينيّ بقيَ على حالهِ مُنذُ زَمن ، نفسُ لهجةِ الخُطَبِ في المَنابِر ، ، و الواقعُ لا يشهدُ إلَّا التَّراجُعَ يومًا بعدَ يوم ، و عددُ المُلحِدِينَ و المِثليِّينَ يزدادُ يومًا بعدَ يوم ، ظاهرةُ المُتحوِّلاتِ و المُتحوِّلُونَ الجِنسيُّونَ اجتاحت البِلاد العربيَّة ، ظواهرُ الاغتصاب و الجناياتِ ترتفِعُ لتُفجِّرَ الكَبتَ و التَّمرُّد المُجتَمَعي هُنَا و هُنَاك ؟! ، صارَ أكثرُ من يتمرَّدُ على الدِّينِ همُ العرَبُ أَنفسُهُم ! فلماذَا يا تُرَى ؟ ما الأَسبابُ التي دَفعَت خاصَّةً فِئَةَ الشَّبابِ لِذلك ؟ هاتهِ الفِئةُ التي مِنَ المُفترَضِ أَن تكُونَ القُوَّةَ الدَّافِعةَ و حجرَ الأَساسِ في بناءِ المُجتمعِ العربيِّ المُسلم ، نرَى فئةَ الشَّباب صارت المرتعَ الخِصب للأفكارِ الدَّخيلة على مُجتمعاتِنا العربيَّة ، ذلكَ أنَّها وجدَت التُّربة المُلائِمة لتنبُتَ و تكبُر في كنفِ التَّعصُّب و الخِطاب الدِّيني المُتزمِّت ، و التَّربية القاسيَة التي هيَ كجلدٍ مُستمرٍّ للذات، و في غيابٍ تامٍّ للُغةِ الحِوار و الاحتواء سواءًا مِنَ الأُسرة أو المُجتمَع .

يُعتبرُ الخِطابُ الدينيُّ – في نظري – هُو مرآةُ المُجتمَع . فنرى منَ الضَّرُورةِ بمكَان تجدُّدُهُ ، و مُواكبتهُ للتَّغييراتِ الطَّارئة على هذا الأخير ، دعوةً منهُ إلى مُخاطبةِ النَّاسِ في جميعِ توجُّهاتهِم و مشاربهم ، و جلبهِم إلى طاولةِ الحِوار ، دُونَ مُغالبةٍ لهذا على ذاك ، أو التَّحيُّز لفئةٍ على أُخرى ، فالدِّينُ بريءٌ من إِطلاقِ الأَحكامِ على الأَشخاصِ و الأَماكِن ، في دعوةٍ إلى الحوارِ البنَّاءِ و الفاعِل ، دُونَ تغليطِ الرَّأيِ الآخر ، أو التَّقليلِ منهُ ، أو مُحاولةِ الظُّهُورِ بمظهرِ الوصيِّ عليه ! ؛ كما قالَ تعالى في مُحكمِ تنزيلِه ” …لكُم دينُكُم و ليَ ديني.. ” ، فالاختلاف لا يُفسدُ للوُدِّ قضيَّة .

الخِطابُ الدِّيني يُكرِّرُ نفسَهُ كُلَّ مرَّة ، يتوعَّدُ ، و يُصدرُ أحكامًا ، يُصنِّفُ في قوائِمَ منعزلة ، بنبرةٍ يسُودُها التَّخويفُ و التَّهويل ! ..يُربكُ و يُشتِّت ..يجلُدُ الذات..في كُلِّ مرَّة ..فنخرُجُ من ذلكَ اللِّقاءِ مُنهكِين..مُترقِّبين..يسُودُ أَنفُسَنا الهلَع..على شيءٍ لم نرتكبهُ ..لكن خُيِّلَ إِلينَا مِن كثرةِ الفزعِ أنَّنَا فعلنَا !

الخِطابُ الدِّيني في عُزلةٍ عنِ العِلمِ و التَّدبُّر ..يقتصرُ دورهُ في السَّاحة العربيَّة ، على إِعطاءِ الأَوامِر ، و جلدِ المُخطئين ..و مُتابعةِ المُذنبين..لتذكيرهِم بأخطائِهِم كُلَّ مرَّة .. .عن أبي هريرة رضي الله عنه : قال رسول الله ﷺ: والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله -تعالى، فيغفر لهم

رواه مسلم .

الخِطابُ الدِينيّ اليومَ حالهُ حالَ الأُمِّ التي أَتاها ابنها باكيَا شاكيًا ..على شيءٍ فعلهُ ..يشكُو لهَا نفسهُ ..و قِلَّةَ حيلتِها ، فتقُومُ بتأنيبهِ و لومهِ..زيادةً على لومهِ لنفسِه..فيدخلُ في دوَّامةِ تأنيبِ و جلدِ الذَّات ..دُونَ حِكمةٍ و دِرايةٍ منها بمرحلتهِ..و درجةِ وعيهِ..فتُعسِّرُ عليهِ التَّصالُحَ مع ذاتهِ ..في تزمُّتٍ..و غيابٍ للمُرُونةِ بينَها و بينهُ ..فتُنشئُ للمُجتمعِ فردًا غيرَ مُتصالحٍ معَ ذاتهِ..ليُصبحَ بعدَ ذلك ..معَ توالي النَّكباتِ عليه..ألدَّ أعداءِ نفسهِ و مُجتمعه..و يُصبحُ كالسَّوطِ الذي يجلدُ نفسهُ و غيره..لأنَّ هذا ما نشأَ عليه..فيبتعدُ عن الطُّمأنينة التي هيَ مكسبُ القُلُوب الخيِّرة ، و لَو أنَّها احتوته ، و تدارسَت معهٌ حيثيَّاتِ فعلهِ، فنفسُ السَّيئَةِ عندَ كُلِّ الأَشخاص ، لا تُفعلُ دائِمًا لنفسِ الأسباب ! ” ..إلا من أُكرهَ و قلبهُ مطمئنٌ بالإيمان ..” سورة النَّحل ، فالسَّيئةُ لا تُحكمُ على ظاهرِها بل وجبَ النَّظرُ في بواطِنِها .

عن رسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلَّم قال : قالَ اللهُ عزَّ و جلّ ” أنا عندَ ظنِّي عبدي بي ، و أنا معهُ حيثُ يذكرُني ، و اللهِ ، للهُ أفرحُ بتوبةِ عبدهِ مِن أحدكُم يجدُ ضالَّتهُ بالفلاةٍ ، و مَن تقرَّبَ إِليَّ شِبرًا ، تقرَّبتُ إليهِ ذِراعًا ، و من تقرَّبَ إِليَّ ذِراعُا ، تقرَّبتُ إليهِ باعًا ، و إِذا أقبلَ إليَّ يمشي ، أقبلتُ إليهِ هرولة .” ! ..يا اللَه ..الخطابُ الدِّيني على هيئتهِ في الأحاديثِ القُدُسيَّة و النَّبويَّة يدعُو للبِشرِ و التَّفاؤُل ..كما قالَ أيضًا ” ..سبِقَت رحمتِي غضَبي ..” في حديثٍ قُدُسيّ آخر “..ومَن لقيَني بقُرابِ الأَرضِ خطيئة ، ثُمَّ لا يُشركُ بي شيئًا ، لقيتهُ بمِثلِها مَغفرة ” ..

إلى خُطَّابِ المنابر ، بشِّرُو و لا تُنفِّرُو ، يسِّرُو و لا تُعسِّرُو ، فكمَا ذُكرَ في حديث عائشة -رضى الله عنها- قالت : سمعت رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا : اللَّهُم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشقَّ عليهم فاُشقُق عليه ، ومن وُليَ من أمر أمَّتي شيئاً فرفق بهم فاُرفُق به ، رواه مسلم . جدِّدُو في خُطبكُم كُلَّ مرَّة ، وواكبُوها على لُغةِ العَصر ، لُغةُ الحدَاثة ، استشهدوا بقصصٍ من الواقع ، فالقصَّة أقوى ما يُمكنُ أن يُستشهدَ به ، وواقعُنا الحاليّ لا يخلُو من ذلك ؛ فجميلٌ أن نستشهدَ بتاريخِ أَسلافنَا و أجدادِنا ، لكنَّهُم في الواقعِ خُلقُو في زمانٍ غيرِ زمانِنا ..حقيقةٌ واقعة ..شئنَا ذلكَ أم أبينَا..فلُغةُ عصرنَا اليوم..هيَ التِّكنُولُوجيا.. و بامتياز..و معَ تسارُعِ وتيرةِ الحدَاثة و العَصرنة يومًا بعدَ يوم..صارَ منَ الضَّرُورةِ بمكَان ..تجديدُ الخِطابِ الدِّينيّ لمُواكبتهِ التَّطلُّعات و مُجرياتِ الأحداث .

معَ تطوُّرٍ العُلُومِ – في يومِنا هذا – استوجب على الخِطاب الدِّينيّ.. الاستشهاد بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم ..في خُطبهِ..و عدم حصرهِ ذلكَ على المُلتقيات و المُؤتمرات ، في دعوةٍ للنَّاسِ إلى التدبُّرِ و التَّفكيرِ في الخلائقِ و الموجُودات من حولنَا بعينِ التَّبصُّرِ و الحِكمة ، “..أفلا يتدَّبرُون ..أم على قُلُوبٍ أقفالُها ..” .

الدِّينُ ليسَ السَّيرُ مُغمضَ العينين بتعليماتٍ و توجيهاتٍ تجهلُ كُنههَا..نعَم ..نحنُ مدينُونَ لله أن جعلَنا مُسلمين..قالت الأعرابُ آمنَّا ..قُل لم تُومنُو ..و لكن قُولُو أَسلمنَا ..و لمَّا يدخُلِ الإيمانُ في قُلُوبكُم ..” ؛ اللهُ جعلنَا مُسلمين ..و جعلَ لنَا الإختيارَ في تحقيقِ الإيمانِ في قُلُوبنا من عدمهِ ! ..الإيمانُ أعمقُ مِمَّا نتصوَّر ..مِنَ الإيمانِ أن لا نظلمَ ..منَ الإيمان ..أن لا نكذب..من الإيمانِ أن نُحينَ إلى أنفُسنا و غيرنَا ” و ما تُقدِّمُو لأنفُسكُم من خيرٍ تجدُوهُ عندَ اللَّه هو خيرا..” ..و إلَّا فلمَ نجدُ المُسلمينَ اليوم يتشاحنُونَ فيما بينهُم بأسبابٍ و بدُونها ، المُسلمُ يأكُلُ حقَّ المُسلم ، يغتابُه ، يرتشِيه ، يسرقُه ، يُغرِّرُ به ..و يصلُ بهِ إِلى حدِّ إِستباحةِ دمهِ ! ..الإسلامُ حاضرٌ بينَنَا ..لكنَّ الإيمانَ غابَ عنِ القُلُوب و فتُرَت شوكتُه !

يُعتبُ على الخطابِ الدِّينيّ..نفسُ العِبارات..نفسُ الجُمَل ..نفسُ الخِطابة كُلَّ مرَّة ..نفسُ الحُجج..و العلمُ في تطوُّرٍ و اتساع ..و الخِطاب الدِّيني لا يبرحُ مكانهُ عاكفًا ..دُونَ سعيٍ للتَّجديد و مُسايرة مُتغيِّرات عصرِنا الحالي .

العالمُ اليَوم يشهدُ موجةً منَ العُنف و التَّطرُّف ، فوجبَ إِذ ذاكَ إِعادةُ النَّظرِ في ما مِن شأنهِ تعديلُ المسَار و الحُؤُول دُونَ تفاقُمِ الوضع ؛ كانَ مِن أوائلِ الدَّاعمينَ للرَّسُولِ صلَّى اللهُ عليه و سلَّم هُم فئةُ الشَّباب ، فالشَّباب في كُلّ أُمَّةٍ هُمُ الوقودُ المُحرِّكُ لها و الباعثُ لرُوحِ الحضارةِ فيها ، فوجبَ إِيلاءُ الإِهتمامِ أكثَر فأكثر إلى هاتهِ الفِئة ، و لأنَّ الشَّباب أكثرُ حماسةً من غيره ، فهيَ الشَّريحةُ الأكثرُ إستهدافا من طرفِ الفِكر و التيَّار المُتطرِّف ، فمن أجلِ ذلك ، طوَّعَت هاتهِ الجماعات خِطابهُم و و شكَّلُوه ، ليُوافق الشَّابَّ في فهمهِ و ذوقهِ ، إهتماماتهِ ، شخصيَّتهِ و واقعهِ ، و مارسُو كُلّ ذلك بإستعمال أهمِّ مُخترعاتِ العصرِ الحديث ” شبكاتُ التَّواصُل الإجتماعي ” و خاصَّةً منها الفايسبوك ، فقد إِستطاعت قياداتُ هذا التَّيَّار الإِستفادة تمامَها من الثَّورة الإعلاميَّة الحاصلة على السَّاحة ، فتمكَّنت بذلك الجماعات الإرهابيًّة من نشرِ فكرها المُتطرِّف فانتشرَ كالنَّارِ في الهشيم ، لمُوافقتهِ آذانًا صاغية و بيئةُ خِصبة .

على ضوءِ ما هُو حاصلٌ اليوم ، ثبُتَ فشَلُ الخِطاب الدِّيني التَّقليدي في التَّأثير المرجُوّ على الشَّاب العربي المُسلم اليوم ، فيظهرُ إِذ ذاكَ الخطابُ مُفلسًا ، هزيلًا ، إِستنفذَ كُلَّ أوراقهِ ، فأصبحَ يُكرِّرُ نفسهُ كُلَّ مرَّة ؛ تشكيلةُ الخطاب تُغيِّبُ مُستجدَّاتِ الواقع ، و تضعُ الشَّاب العربيّ عُرضةً لقصفٍ إيديُولُوجيّ يُواكبُ واقعَ الشَّاب النَّفسي ، الذِّهنيّ ، الذَّوقي و الإِجتماعيّ .

دينُنا الإسلاميُّ فوقَ كُلّ تصوُّر ، بمبادئهِ المُعتدلة ، الوسطيَّة السَّمحة ، و بأخلاقهِ الإِنسانيَّة الرَّاقية و أفكارهِ الحضاريَّة التي تعكسُ القُدرة الكبيرة على التَّعايُش مع الآخر ، و مُعالجة مُشكلات الوقت الرَّاهن ، بحكمةٍ بالغة و بصيرةٍ نافذة .

ظاهرةُ التَّطرُّف الفِكري و الدِّيني اليوم أشبهُ بالخلايَا السَّرطانيَّة التي لا تفتأُ تنتشرُ ، فلا يُخيَّلُ إِلينَا ، أنَّها ستتلاشى دُونَ تكاتُفِ الجُهُود ، و إِعادةِ النَّظرِ في أسبابها ، دراستِها ، و إِيجادِ الحُلُولِ لها . فما هي آفاقُ هاتهِ الأزمة في واقعِ المُجتمعاتِ العربيَّة ؟ و ما هيَ تداعياتُها ؟

ينظرُ الفردُ العربيّ على أنَّ الدِّينَ كيانٌ مُنغلقٌ ، كُلٌّ لا يتجزَّأ ، أن نأخُذَهُ كُلَّهُ أو نترُكهُ كُلَّه ..مُتناسينَ أنَّ الدِّينَ لا يقتصرُ على القُرآنِ و السّّنَّةِ..بل فيهِ منَ الإِجتهادِ و التَّأويلِ و إختلافِ الرَّأيِ نصيب ..لتضارُبِ القِراءات و إِختلافِ الأَفهام ، فهُو نامٍ مُتطوِّر ، مُعتدِل قابل للإختلاف ، كيانٌ سمحٌ ، مُسايرٌ للواقع ، في تجدُّدٍّ بخصائصه التي تُميِّزُهُ كالإِجتهاد و المَقاصد الشَّرعيَّة و فقهِ الواقع ؛ فالتَّشبُّثُ في الماضي ، فيما كانَ يفعلهُ السَّلَف ، فيمَا كانَ يقُولهُ السَّلَف ، كيفَ كانَ يعيشُ السَّلف ، و منهاجُ حُكمِ السَّلَف ..أنشأَ فردًا مُتعصِّبًا للسَّلَف يُحاربُ و يُجاهدُ فيما يُخيَّلُ إِليه و بكُلِّ ما أُوتيَ من قُوَّة لعودةِ حُكمِ الخِلافَة الإِسلاميَّة ! ، انشأَ فردًا يرفُضُ واقعهُ و يقُومُ بدورِ الوَصيّ في مُجتمعاتنا الإسلاميَّة ، يعيشُ تمامًا في الماضي ، يبكي على الأطلالِ ، في غيابٍ تامٍّ عن مُستجدَّاتِ الواقعِ الحديث ، فالنَّمُوذجُ النَّبويّ نمُوذجٌ حضاريّ بالدَّرجةِ الأُولى يُواكبُ المرحلة ، بل و يُواكبُ البُعد القِيمي ، الأخلاقي ، السُّلُوكي و الإِجتماعي للفرد ، فعن عائشة رضي الله عنها أنها زفت امرأةٌ إلى رجلٍ من الأنصارِ فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم : يا عائشة ” ما كان معهم من لهو؟ فإنَّ الأنصارَ يُعجبُهم اللَّهو‍”.وقال ابن عباس: زوجت عائشة ذات قرابة لها من الأنصارِ ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أهديتم الفتاة ؟ قالوا : نعم . قال : أرسلتُم معها من يُغنِّي؟ قالت : لا. فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم : إنَّ الأنصارَ قوم فيهم غزلُ ، فلو بعثتُم معها من يقول : أتيناكُم أتيناكُم، فحيَّانا وحيَّاكُم”؟ ؛ فمُواكبةُ الأحداثِ ، و التَّفاعُلُ معها ، و دراستُها بحكمةٍ بالغة و إِحتواء هيَ من شيمِ و أُسُسِ دينِنَا الحَنيف ؛ فالدِّينُ الضَّاربُ في عُمقِ الماضي في ضمنِ مرحلةٍ تاريخيَّةٍ مُعيَّنة ، لا يُؤسِّسُ لواقعٍ حضاريٍّ بمفهُومهِ العميق و لا يُقدِّمُ الإِسلامَ كمنهجٍ ، رُؤيةٍ و آليةٍ تتماشَى و المُتطلَّبات الحضاريَّة . فليسَ منَ التَّقوى بمكان أن نُشابهَ السَّلفَ في نمطِ معيشتهِم ، و تفاصيلِ حياتهِم ، و منهاجِ حُكمهِم ..و لكنَّ التَّقوى و الدِّينَ هُو في حفظِ الأمانةِ ، صيانةِ العهدِ ، احترامِ الرَّأيِ الآخر ، في ثقافةُ الآختلاف و التَّسامُح ، في طلبِ العِلم و برُّ الوالدين ..و تعزيزُ ثقافةِ السَّلامِ المُشتقَّةِ من اسمهِ ؛ الدِّينُ رُوحٌ و ليسَ فقط جسد ، حجابٌ أو نقاب ، لبسٌ مُقصِّرٌ ، تطويلُ لحيةٍ أو قصُّ شارب ، الدِّينُ ليسَ في تعدُّدِ الزَّوجاتِ و لا في خُطبِ المَنابرِ المليئةِ بالعُبُوس و القُنُوط ..الدِّينٌ رحمةٌ مُهداةٌ في شخصِ نبيِّنا الكريمِ صلواتُ اللهِ و سلامهُ عليه لقُلُوبنا المُتعبة ، بلسمٌ يُداوي نُفُوسَنا المُثخنَة بهُمُومِ الدُّنيا ، يُطبِّبُها لا ينكئُ جراحَهَا و يرحمُ الضَّعفَ الكامنَ في تكوينِنَا . الدِّينُ ليسَ مُجرَّدَ قُشُور بل هُو أعمقُ و اوسعُ من ذلك .

الإِسلامُ دورُهُ التَّأهيلُ التَّربويّ ، النَّفسيّ و الإِجتماعيّ للمُخطئين فيُؤدِّبُهُم بما فيهِ صلاحٌ لهُم ، فلا ينبذُهُم بل يحتويهِم و يُوجِّهُهُم لما هُو الأنسبُ لهُم .ففيما رواهُ البُخاريّ في صحيحهِ و لفظهُ عن عُمر بن الخطَّاب أنَّ رجُلًا على عهدِ النبيّ صلَّى اللهُ عليهِ و سلَّم كانَ إسمهُ عبد الله ، و كانَ يُلقَّبُ حِمارًا ، و كانَ يُضحكُ رسولَ الله و كان النبيّ قد جلدهُ في الشَّراب ، فأُتيَ بهِ يومًا ، فأَمرَ بهِ فجُلِد ، فقالَ رجلٌ منَ القومِ ، اللهُمَّ اِلعنهُ ، ما أكثرُ ما يُؤتى بهِ ؟ ، فقالَ النبيُّ الكريم عليهِ أفضلُ الصَّلاةِ و أزكى التَّسليم ، لا تلعنُوهُ ، فإنَّهُ يُحبُّ اللهَ و رسُولَه ، لا تكُونُو عونَ الشَّيطانِ على أخيكُم و لكن قُولُو اللهُم اغفر له . فأينَ نحنُ من هذا ، طائفةٌ تُكفِّرُ أُخرى ، مُشادَّاتٌ و مُشاحنات في تعصُّبٍ للرَّأيِ و نبذٍ للرَّأيِ الآخر حُرُوبٌ أهليَّة و طائفيَّة بينَ أفرادِ البلدِ الواحد و بينَ أفرادِ الدِّينِ الواحِد . دينُنا براءٌ من كُلِّ هاتهِ المُمارسَآت ! ، دينُنَا طاقةُ محبَّةٍ و إحتواء ، طاقةٌ إشعاعيَّةٌ لسلامٍ يغمُرُ الكونَ و يزيد ، دينُنا دينُ التَّعايُشِ السِّلميّ بين جميع الأطيافِ و المذاهب ، ” فبمَا رحمةٍ منَ اللهِ لنتَ لهُم و لو كُنتَ فضًّا غليظَ القلبِ لانفضُّو من حولِك فاعفُ عنهُم و استغفِر لهُم ..” .

دينُنا و تعاليمُ شريعتِنا الإسلامية السَّمحة دُستُور السَّلامِ العالميّ و ميثاقُهُ الغليظ ، فالسَّلامٌ تحيَّةٌ نُحيِّي بها بعضنَا حينَ نلتقي . هيَ القانُون الدُّولي الواجبُ الرُّجُوعُ إليهِ في مُعاملاتِ تحقيقِ السَّلامِ في كيانِ الفردِ و المُجتمَع . تعاليمُ دينِنَا هيَ قُواتُ حفظِ السَّلام حيثُ ثقافةُ اللَّاعُنف و التَّعايُشِ السِّلميّ .

فكيفَ بدينٍ أُشتُقَّ السَّلامُ مِن اسمِه !

عن ss2018

شاهد أيضاً

ثقب أخر الذاكرة

شعر / محمد الكشكري ما عدت أحتمل الضجيج بداخليو الأنة الحمقاء تغتال السكينة حاسرةأنا لست ...

اختتام استراتيجيات التعليم الحديث والنظام التربوي لرياض الاطفال بطرابلس المركز

(فسانيا/هناء الغزالي) …. أقيم حفل اختتام الدورة التدريبية حول (استراتيجيات التعليم الحديث والنظام التربوي لرياض ...

للتفاعل مع الموضوع قم بكتابة تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: